المقريزي
122
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
قال : وسمعت السلطان يقول لولا أن يقال ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه ، وفي هذا الجامع عجائب من البنيان منها : أن ذراع إيوانه الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها ، ويقال أنه أكبر من إيوان كسرى الذي بالمدائن من العراق بخمسة أذرع ، ومنه القبلة العظيمة التي لم يبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها ، ومنها المنبر الرخام الذي لا نظير له ، ومنها البوّابة العظيمة ، ومنها المدارس الأربع التي بدور قاعة الجامع إلى غير ذلك . وكان السلطان قد عزم على أن يبني أربع مناير يؤذن عليها ، فتمت ثلاث مناير إلى أن كان يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة ، فسقطت المنارة التي على الباب ، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذين كانوا قد رتبوا بمكتب السبيل الذي هناك ومن غير الأيتام ، وسلّم من الأيتام ستة أطفال ، فأبطل السلطان بناء هذه المنارة وبناء نظيرتها ، وتأخر هناك منارتان هما قائمتان إلى اليوم ، ولما سقطت المنارة المذكورة لهجت عامّة مصر والقاهرة بأن ذلك منذر بزوال الدولة ، فقال الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد بن عليّ بن محمد السبكيّ في سقوطها : أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى * بشيره بمقال سار كالمثل إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة * لكن لسرّ خفيّ قد تبيّن لي من تحتها قرىء القرآن فاستمعت * فالوجد في الحال أدّها إلى الميل لو أنزل اللّه قرآنا على جبل * تصدّعت رأسه من شدّة الوجل تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت * من خشية اللّه لا للضعف والخلل وغاب سلطانها فاستوحشت ورمت * بنفسها لجوى في القلب مشتعل فالحمد للّه حظّ العين زال بما * قد كان قدّره الرحمن في الأزل لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة * شيدت بنيانها بالعلم والعمل ودمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت * علما فليس بمصر غير مشتغل فاتفق قتل السلطان بعد سقوط المنارة بثلاثة وثلاثين يوما ، ومات السلطان قبل أن يتم رخام هذا الجامع ، فأتمه من بعده الطواشي بشير الجمدار ، وكان قد جعل السلطان على هذا الجامع أوقافا عظيمة جدّا ، فلم يترك منها إلّا شيء يسير وأقطع أكثر البلاد التي وقفت عليه بديار مصر والشام لجماعة من الأمراء وغيرهم ، وصار هذا الجامع ضدّا لقلعة الجبل ، قلما تكون فتنة بين أهل الدولة إلّا ويصعد عدّة من الأمراء وغيرهم إلى أعلاه ويصير الرمي منه على القلعة ، فلم يحتمل ذلك الملك الظاهر برقوق وأمر فهدمت الدرج التي كان يصعد منها إلى المنارتين والبيوت التي كان يسكنها الفقهاء ، ويتوصل من هذه الدرج إلى السطح الذي كان يرمى منه على القلعة ، وهدمت البسطة العظيمة والدرج التي كانت بجانبي هذه البسطة التي كانت قدّام باب الجامع ، حتى لا يمكن الصعود إلى الجامع ، وسدّ من وراء الباب النحاس الذي لم يعمل فيما عهد باب مثله ، وفتح شباك من شبابيك أحد مدارس هذا الجامع